السيد محسن الأمين
9
أعيان الشيعة ( الملاحق )
كانت أهمية إقامة السيد في دمشق . كانت هذه الإقامة رمزا لموقف توحيدي ، ولكنها أيضا وفي نظر الآخرين القابضين على سدة المعرفة والمتحكمين في توزيعها درجات درجات من موقع ادعاء التفوق والتعدد كانت تعني وتستتبع نفيا له من دائرة الاعتراف الرسمي . لكن الانبعاث الذي كان السيد رمزا كبيرا من رموزه لم يلبث أن أيقظ النفوس والعقول ، وإذ بدأت شرارة الوعي تنطلق من أتون الحرمان كانت الشعلة التي حملها السيد خلال نصف قرن تتواصل مع إرهاصات الإنتاج العلمي في الجامعات الحديثة المحلية . وليس في الأمر صدفة أن يلتقي هذا التواصل مع شاعر عاملي شق طريقه في التعبير الشعري وتواصل مع الناس والأهل والأصدقاء والأطفال عن طريق الكلمة الصادرة من القلب إلى القلب والمنبعثة من الذاكرة التاريخية المشتركة برموزها وصورها وتعابيرها ، لا عجب أن يحمل هذا الشاعر الذي هو محمد علي شمس الدين هم البحث العلمي في معالجة مسألة الإصلاح في نصوص السيد ومواقفه . فالعلاقة بين شاعرية محمد علي شمس الدين وموضوعية الباحث هي علاقة الصدق وهي الصفة الجامعة بين الشاعر والباحث . والعلاقة بين عاملية محمد علي شمس الدين من حيث امتدادها في الثقافة العربية واختزانها للذاكرة التاريخية للجماعة التي ينتمي إليها الشاعر والباحث ، وبين عاملية السيد الأمين الذي هو كتاب كبير من هذه الذاكرة التاريخية المشتركة وجزء مهم من خطط جبل عامل وأعيانه وسيره هي علاقة الاستمرارية الثقافية في الفقيه والشاعر والباحث . من هنا كان جميلا ومفيدا أن يتولى محمد علي شمس الدين الشاعر مهمة البحث والتوثيق والمعالجة لعلم من أعلام النهضة العربية والإسلامية ، وبمنهج يصدر عن وعي معرفي لاشكالية المصطلح الإسلامي الذي هو الإصلاح وصيغ تعبيراته لدى فقيه مجتهد - ولدى مؤرخ إخباري - ولدى أديب ومرب هو السيد محسن الأمين . لن أتولى في هذا التقديم مهمة تلخيص البحث أو عرض أفكاره فمثل هذا التقديم من شانه أن يختزل العمل وينقص من تكامليته . لذلك أكتفي بالقول إن جدارة البحث العلمي لدى محمد علي شمس الدين توازي جدارة شاعريته ، وإن البدء بمعالجة الأعلام المصلحين ممن أناطوا بأنفسهم مهمة الإصلاح على طريق التطهر والولادة الجديدة - على حد تعبير الباحث - وبعيدا عن جاذبيات السلطة وإغراءاتها هو بدء بسلوك طريق مهم في مجال البحث العلمي ومجال إغناء الثقافة العربية الإسلامية . من كتاب شمس الدين تجد نظرية الإصلاح ، التي هي نظرية إسلامية أصولية ، مرجعها الأساسي في النص القرآني ، كما تجده في السنة الشريفة . ولعله بالإمكان اعتبارها فريضة من الفرائض الإسلامية الأولى ، التي ارتبطت بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فالاصلاح إذن ، على صعيد إسلامي ، إنما هو مصطلح عقيدي ديني ، يغرز جذوره في المنابع الأولى للإسلام ، فالقرآن كتاب إصلاح كما هو كتاب صلاح ( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ . . ) . 9 وهو يعتبر عن الأنبياء والأولياء بالمصلحين الذين يقومون بعمل الخير ، ولديهم روح الطهر ، يبشرون بالسلم والوفاق ، ويكون لديهم هاجس التقويم الأخلاقي : في القول والسلوك . لذلك ، كان لا بد للاصلاحيين المسلمين ، على امتداد التاريخ الإسلامي ، وعلى تنوع مذاهبهم وأساليبهم في العمل الاصلاحي ، من العودة إلى الينابيع الأولى للإسلام ( أي إلى القرآن والسنة والسلف الصالح ) ، متخذين من حياة النبي محمد ( ص ) ومن حياة الصحابة والأئمة الأطهار ، القدوة والمثل ، معتبرين أن الرسول هو المصلح الأمثل أو المصلح الأعظم وأن القرآن هو الكتاب الأساسي في الإصلاح . إن هذا المعنى الأصولي في الإصلاح ، هو الذي يوجب على كل باحث أو دارس لأي مصلح إسلامي ، الالتفات فيه إلى معنيين معا : المعنى الأول : هو المعنى الجامع للاصلاحيين المسلمين كافة ، في ضرورة عودتهم إلى المنطلقات الأولى للإصلاح ، في القرآن والسنة والسلف الصالح ، لدى تصديهم لهذا الشكل من أشكال الجهاد . . المعنى الثاني : يكون للتمايزات والفروق في النسق الفكري والمنهج العملي لكل إصلاحي على حدة ، في ما يمكن أن نسميه مبدأ الفروق في النسق الاصلاحي العام . ذلك ما أسسنا عليه الفصلين الأساسيين في أطروحتنا الراهنة عن الاتجاه الإسلامي الاصلاحي في فكر السيد محسن الأمين وسلوكه . فقد عقدنا الفصل الأول ، تحت عنوان : ( البحث عن مصطلح إسلامي إصلاحي ) . معتبرين أن الإصلاح ، إسلاميا ، إنما هو أصل عقيدي ، وضرورة تاريخية في آن . . فهو أصل عقيدي ، من حيث هو مصطلح إسلامي أساسي مرتبط بالولادة الأولى للإسلام . . . وهو ضرورة تاريخية من حيث أنه شكل أداة أساسية للتطوير والتطهير ( في معاني الاجتهاد والاستشهاد والنظريات الاصلاحية المختلفة ) وذلك في حقل تاريخي شاسع للتحدي ، امتد من حدود الرسول الأعظم ومن بعده استشهاد الحسين بن علي ع في ما هو عمل إصلاحي . . حتى آخر أشكال التحدي المعاصر ، في ما سميناه إشكالية الغرب والإسلام . وقد حرصنا على تبيان الخصوصية الشيعية في هذا النسق الاصلاحي الإسلامي العام ، وما امتازت به عن الاصلاحية السنية ، متخذين من ذلك ، مدخلا للكلام على السمات المميزة لفكر وسلوك السيد محسن الأمين . . في ما شكل فقرأت الفصل الثاني من دراستنا الراهنة . فقد تناولنا في هذا الفصل ، أبرز ما امتاز به هذا الاصلاحي الإسلامي الشيعي الكبير ، في الفكر والسلوك ، على امتداد حياته الخصبة المديدة ، ومن خلال مؤلفاته المتنوعة الغزيرة . وبدأنا ذلك ، بنظرة أولى محيطة بالرجل ونصه ، ثم تطرقنا ، في أبواب لاحقة تفصيلية ، إلى جهده في إصلاح الطقس الكربلائي ، ودوره في الإصلاح التعليمي وإصلاح المدارس الدينية ، وآرائه في تنقية العقيدة الإسلامية من الشوائب والخرافات الشعبية اللاحقة بها . . وختمنا هذا الفصل بالكلام على دور الرجل في العمل السياسي والوطني كما عرف في